التُّـــخْــمَـ مِـيّة

·

·

, ,

مانفستو الحياة اليوم.

والآن يا قواطعَ الطريق المرهقة، هل أطلقُ في نظرتي المغسولةِ من ضوئها العنانَ، وأقعد أُفلِّي قمل عصبي البصري من غذاءاتِ الفراغ المعلَّبة. هل يُسفرُ نفخي جيفة الدهشة البلورية التعفُّن عن ما يُقالُ له رملٌ في نقاء المجاز. هل أُقبسُ الرؤية في حامض الموضوع، وأطردُ غاز ذلك فوق زئبق قصدي يحبِسُهُ. لأنني ما عفوتُ عن كل النشاط إلا لأنضَبَ، فما رأيتُني إلا وأنفكُّ أكرِّر ذلك لئلا أنضب، وأنا في حَيْصِ ما بينهما يختمرُ زمانٌ صَدَفيٌّ مطلِقاً غاز الدعابة المنتن الى جمهورِ ما احتواهُ.

موغلاً في قلبونيتهِ الظلامية، قلبي يتشدَّقُ بأصحابِهِ. تسمعني الأحراش تلمع تتحرَّك تلحّ أن تكسرني تحت مناشيرها المصقولة، طيفُ الأنواءِ المُدرَّج، الذي يخرج مني دفاعاً، يرتدُّ إلى حِجرِي الهادئ بطباشيريتهِ الكامنة تُفَصِّدُهُ عن موضعه في رؤية البندقية، وتتركه عُرضةً لجرَّافةِ الكسل، فإذا بأيِّ قبضةٍ من أثرِ مَحوي تَذروها الأنواء إلى صلدٍ كانت تقصدُ الأحراشُ تليينَهُ بعوائي؛ عوائي الذي ما خرج، ولكنه أنشفَ حلقي، وملأ رحمي بالدَّمِ المؤكسج الغِرِّيدِ يعوي هو في استمرارٍ لا يترك لأيّ مضغةٍ فرصةَ أن تتكوَّن. أصبحْنَا أنا وهو على أسنّة الرماح نحدو الأنواء إياها إلى ملذّات أصحابي في محطة غزوة عربون الامتشاق المنوط بها استرداد جرعة الماء من جوف حَلاّجٍ جَغَمَها بعدَ صيامِ دهورٍ، فجعَلَتْهُ سيفاً شقَّ أيَّ دماغٍ شَرَدَ من بركانِهِ والتحق برأس بني آدم.

ما عيبُ الناي تعزفهُ الأنواءُ متخفِّفةً من مادتها. أتخيَّلُ غبطتَها في جوفه؛ والخَفَرَ الذي يصيب فتحاته. أتخيّل أيضاً قلبي مغموراً ينبض في طشت الدّم، أكرَمَتْنِي به فريدا كاهلو ونحن ضيوفُ حوشها الأزرق، ولكنَّ قلبي أحْرَجَني؛ إذ طردَ دمَهُ إلى الصحن، وما فتئ ينبض. والآن، ثمّة، في مكانٍ ما، مَنْ يتسلَّى بتَخيُّل أشباحي الممكنة، ويتركني أنا أتلمَّسَ انزعاجاتها، أحاول ترويضَها، ولا ينفع.

يترصَّدُني عُقابُ ما سرقتُ من جذوةٍ شعراً، يكركرني في دهاليزَ جدرانُها تتبرَّمُ قشراً نَكِداً وتفاصيل. يستفزُّني ركنٌ فيسَّاقطُ شَعْري المنكوش دلائلَ لوحشٍ سَبَكَتْهُ عيناي قَبْلاً مِن تهلوُسها بالفراغ المحيط.

دخلتُ دنياكم بدِقَّةِ حشرة، وها أنا أخرجُ منها على وقع ضربات البُلطةِ المعروفة لمن هم مثلها. لا أتذمَّر، فقد كان لا بدّ أن أعيش، وكأني مُكلَّفةٌ باستهلاك العيوشة من داخل وحش الدنيا، بل أكثر، أن أُفسِدَ خصوبة الأرض، بل ألعن، أن أُغوي السماء بالبحر؛ ونيلاً بجيب الدَّلتا يسرقه، وأن أُشعلَ الصداقةَ بين الحديقة والدغل.

كنملةٍ همَّت تَنفُّسَ صخرةٍ، كقابعٍ في كرشِهِ ولا مخرج، أو كأمِّ الهمس التي شاعت في مُحكَمِ الجهر، كجارحِ كفِّه لتضليل خَطّ القَدَر، كإبرةٍ ما بين ضرسَيْ مكنة العيوشة النوكيا، باغتتها اللثّة بجمالها، فانغرسَتْ فيها، وارتخى كامل الفم حتى العنق، حتى العنق التي لانت وما التَوَت، حتى الرُّكبة تضعضعت ولم يرفل الفخذ تحتها، حتى القدم انقلبَت أسفلها أعلاها، وما كفَّت السُّلالةُ عن المشي فوق أقمارها النرجسيّة العاطلة.

ساقني يوماً أثنائي إلى شيئيةِ أغياري المكدَّسين كأحجيةٍ نهاية نفق ترحالي المدعو شُفتا الهاوية، ساقني من أذنيّ وجضومي، فلم أستطع نأمةً حينما ألَمّت بي جثةٌ تداعب شؤونها، قشعرتُ من عند شعراتٍ خلف أذني، هل مرَّ مغنطيسي يوماً على جوعٍ يُقال له الحياة. آذَت روحي أجفانها في مستقبلِ عينها، فلم تستطع قبل ذلك إغماضاً، أم تلك مقصَّاتي يوم تفلَّتَتْ عن شفراتها، فكُتِبَ على مقبضها إعراب الماضي.

مكتوبٌ بغرض التحاشي: ما هو الذي أشْعُرُهُ غير مَن يتوجَّسُ ظلماً عليه، قبل أن يتحصَّل على شفرة الضغينة، فتراهُ كطاقةٍ تصنعُ نمليّها ضدّ الذباب من خرى الذباب باطنها، لا بل إنني أشعرُ كالعبارة المسكينة «بهيمةٌ نافقة»، أشعر بها كأذن فيل مشموطة، وأنا منكفئة إليها بضغطةِ قعر قلم بيك هائل على قحف جمجمتي. من أين ينبضُ الأسف؟، من نقطةٍ معيَّنة في الجسدِ المشدود برضاهُ على المسبار التعذيبي في نظَرِهِ المُصغي اللامكترث المتكاسل عن سَنْكَرَنَة أدواته. متى إذن تترك منطادَ لحمك ليقفز بدلاً عنك؟، يقول المانيوال حين تصير واقعياً من فرط التهويم. وكيف تترك نعالَكَ خلفك تلاحقك في كل سيبريا المتغيِّر؟، بأن تتلَبَّسَ كلُّ حينةٍ بـ حينِها الهاربِ من نفس جلدتها.

إذن ماذا نسمِّي كلّ ذلك؟.

التُّخْمَـ مِـيَّة، مانفستو الحياة اليوم، أو جامَلَتني المواعين فتقاسَمَتْنِي المواضع.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *